انت الزائر: 88743

يتصفح الموقع حالياً: 18906

الاعضاء: 1

الزوار: 18905

ما هو تقييمك لموقع الشيخ عبد المقصود عطية؟
جيد لحد ما
ممتاز جدا وألوانه جذابة
سئ ويحتاج للتغيير

أدخل البريد الإلكترونى وسيصلك رساله تفعيل فى الحال لإستلام كل جديد يوميا من موقعنا :

وماذا بعد لو الآية الأولي

بسم الله الرحمن الرحيم

وماذا بعد لو الآية الأولي

الحمد لله الموصوف بصفات الجلال والجمال ، وأصلي وأسلم على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الموصوف بصفات الكمال ،وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته و سلك دربه إلى يوم الدين.
وبعد



يقول ربنا سبحانه

(أفلا يتدبرون القرءان أم علي قلوب أقفا لها )( آية 24سورة محمد)
فتعالوا أحبابي نتدبر سوياً كتاب ربنا ، ونستظل بظله الممدود ، ونقطف من زهرات بساتينه الوارفة ، ونتذوق من ثماره التي لاتنقطع، مع كلام لايأتيه لباطل من بين يديه ولامن خلفه ، تنزيل من حكيم حميد .
فتعالى جدّ ربنا منزل الكتاب ، على محمد سيد الأحباب ليكون للعالمين نذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، بآيات بيّنات لا يعقلها إلا العالمون ، وما يتدبّرها إلا أولو الألباب ، آيات أُحكمت ثم فصلت من لد ن حكيم خبير

قال تعالى (الَر(1) كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير(2) )(آية 1-2 من سورة هود).

حديثي مع حضراتكم تحت عنوان ( وماذا بعد لو ) . ونبحث فيه حول النقاط التالية : -

أ‌-كم عدد الآيات التي وردت فيها ( لو ) في كل سورة من سور القرآن الكريم .

ب‌- معنى ( لو ) في كل آية من هذه الآيات .

ج-عمّ تتحدث هذه الآيات وموضوع كل منها

د – النكات اللغوية والصور البلاغية التي وردت في هذه الآيات .

ه-علاقة الآيات التي وردت فيها ( لو ) بعضها ببعض

و – علاقة آخر آية وردت فيها ( لو ) في كل سورة بأول آية ورد فيها ( لو ) في السورة التي تليها .

ز – مدى تناسق الآيات التي ورد فيها (لو) مع بعضها البعض بحيث أنها لو رتّبت لصارت تُكوّن موضوعاً واحداً مترابطاً متناسقاً .

سورة البقرة عدد الآيات التي وردت فيها ( لو) في سورة البقرة ( 10 ) آيات مرتبة كالتالي :-

1- الآية رقم ( 20) قال تعالى (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ).

2- الآية رقم ( 96) قال تعالى (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) .

3- الآية رقم ( 102) قال تعالي (وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ )

4- الآية رقم ( 103) قال تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ )

5- الآية رقم ( 109) قال تعالى (ودّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .

6-الآية رقم ( 165) قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّه ولَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ) .

7-الآية رقم ( 167 )قال تعالى (َقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّار ) .

8-الآية رقم ( 170) قال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ) .

9- الآية رقم ( 221) قال تعالى (وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) .

10- الآية رقم( 253) قال تعالى (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البينان وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ) .

أولاً : الآية الأولى التي ورد فيها ( لو) في سورة البقرة ( الآية رقم 20) :

قال تعالى (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )

ثانياً : معنى( لو) في هذه الآية :

أ‌-رأي سيبويه أن( لو) هنا حرف لما كان سيقع لوقوع غيره

ب‌- أن (لو) هنا مستعملة لربط جوابها بشرطها مجردة عن الدّلالة على انتفاء أحدهما لانتفاء الآخر , فهي بمنزلة إنْ , وقد يقال أنّها باقية على أصلها وقُصد بها التنبيه على أنّ مشقتهم بسبب الرعد والبرق وصلت غايتها وقاربت إزالة الحواس , بحيث لو تعلقت بها المشيئة لزالت بلا حاجة إلى زيادة قصف الرعد وضوء البرق .

ج – أنّ (لو) حرف تمن وفيه معنى الجزاء , وجوابه اللام والمعنى ولو شاء الله لأطْلع المؤمنين عليهم فذهب منهم عزّ الإسلام , بالاستيلاء عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم .

ثالثاً : عمّ تتحدث هذه الآيات

تتحدث هذه الآية وما قبلها من آيات وتحديداً من الآية رقم ( 8 ) عن المنافقين وتفضح صنيعهم ،وكيف أنهم استحبوا العمى على الهدى وفضلوا الظلام على النور ، وكيف أنهم ترددوا في قبول الإسلام فأظهروا الإسلام وأضمروا الكفر ، وكيف أنهم استهزؤوا بالله وآياته ورسوله ، فبئس ماكانوا يعملون ،

وتبارك الله تعالى إذ يقول في القرآن العظيم

(وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ ) ( آية-65 سورة التوبة ) فيرد الله تعالى على خداعهم للمؤمنين بإظهارهم الإسلام عندهم وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا ماخلوا إلى شياطينهم من المنافقين أمثالهم أظهروا الكفر قائلين إنا معكم إنما نحن مستهزئون ،وكيف أنهم اشتروا الضلالة بالهدى ،فخرجوا من الربح ودخلوا في الخسارة ،فبئست تجارتهم من تجارة .

فقال تعالى (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ (14)اللّهُ يستهزئ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ( 15)وألئك الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (16) ) ( آية -14 – 15 – 16 من سورة البقرة.

ولكم أن تتصوروا الأسرار البلاغية والنكات اللغوية في هذه الآيات الثلاث والتي نورد بعضها وهى :

1-المفارقة بين الجمل :

فقد خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية (قالوا آمنا ) وخاطبوا شياطينهم بالجملة الاسمية ( إنا معكم )وذلك لأن الجملة الاسمية أثبت من الجملة الفعلية وهذا دليل علي أن إيمانهم ومدة بقائهم مع المؤمنين قصيرة المدى ولا يعدوا إيمانهم تحريك اللسان وأنّ ركونهم إلى شياطينهم دائم الاستمرار والتجدد وهو أعلق بالنفوس وأكثر ارتباطاً بما رسخ فيهم من النفاق والكفر .

2-المخالفة بين جملة (مستهزئون ) وجملة( يستهزئ)

لان هَزْء الله بهم متجدد وقتا بعد وقت ، وحالاً بعد حال،يوقعهم في متاهات الحيرة والارتباك زيادة في التنكيل بهم .


3-المشاكلة :

فقد ثبت أن الاستهزاء ضرب من العبث واللهو وهما لا يليقان بالله تعالى ، وهو سبحانه منزّه عنهما ، ولأنه من قبيل الجزاء من جنس العمل ، فسمى جزاء الاستهزاء استهزاء، فهي مشاكله لفظية لا غير .
ويقوى هذا ما يليه من - الفصل الواجب- في قوله تعالى ( الله يسهزىء بهم ) ، لأن في عطفها على شيء من الجملة السابقة مانعاً قوياً، لأنها تدخل عند الوصل في حيز مقول المنافقين ، فالجملة مستأنفة على كل حال لأنها مظنة جواب عن سؤال ينشأ فيقال : مامصير أمرهم ؟ أو ماعقبى حالهم ؟ فيكون الجواب (الله يستهزئ بهم ) فيكون الحال أنّ استهزاء الله بهم وخذلانه لهم ثابتان ومستمران سواء خلوا إلى شياطينهم أم لا .

4 -فلما أصروا على ذلك مدّ الله لهم فيه وتركهم متردّدين متحيّرين .

وهذا معنى ( يعمهون ) وفي اختيار العمه وهو قريب من العمى اختيار بديع، مع أن بينهما عموماً وخصوصاً ، لأن العمى يطلق على ذهاب نور العين ، وعلى الخطأ في الرأي ،أما العمه فلا يطلق إلا على الخطأ في الرأي فقط ،.ومن عمههم: عملية الاختيار والاستبدال التي أخذوا بها في قوله تعالى ( اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين )

5- واختيار هذه الألفاظ القرآنية المحكمة لتصوير حالهم ،

فن بديع من فنون البلاغة وهو- الاستعارة الترشيحية- والتتميم .

والترشيح هو :

أن يبرز المجاز في صورة الحقيقة، ثم يحكم عليه ببعض أوصاف الحقيقة، فينضاف مجاز إلى مجاز ، والمعنى اختاروا واستبدلوا، وقرينة الاستعارة الضلالة ، ثم رشح لهذه الاستعارة بقوله : فما ربحت تجارتهم، فأسند الربح إلى التجارة، فالمستعار منه الذي هو الشراء رشّح لفظي الربح والتجارة للاستعارة ، لما بين الشراء والربح من الملاءمة .

والمعنى الذي تؤدي إليه الآية

أن هؤلاء القوم اختاروا الضلالة على الهدى لفائدة لهم بإزائها يعتقدون الحصول عليها من الناس، فهو معاوضة بين طرفين يقصد بها الربح ،وهذا معنى الاشتراء.
أما التتميم الوارد في قوله تعالى ( وما كانو مهتدين )فمعناه أنهم ضالون في جميع ما يفعلونه من عمل ، لأن التتميم معناه :أن يأتي في الكلام كلمة أوكلام إذا طرح منه نقص معناه في ذاته أوفي صفاته ، أولزيادة حسنة .
ولقد ضرب الله تعالى لهم مثلين من أروع الأمثال التي وصفت فِعالهم ، وبيّنت حالهم بعد أن استحبوا الكفر على الهدى ، وبعد أن أخذوا كل حذرهم حتى لايفضح أمرهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند المسلمين ،

وصدق الله تعالى إذ يقول في كتابه العزيز

(يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِءُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ )( آية 64 سورة التوبة).

ولكن قبل الحديث عن المثلين نطرح سؤالاً : ما فائدة ضرب الأمثال في القرآن الكريم ؟

ولنا أن نعلم أنّ الفائدة المقصودة من ضرب الأمثال ، أنها تؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه ،وذلك لأن الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي ، والغائب بالشاهد ، فيتأكد الوقوف على ماهيته ،ويصير الحسّ مطابقاً للعقل ، وذلك هو نهاية الإيضاح ،ألا ترى أن الترغيب إذا وقع في الإيمان مجرداً عن ضرب مثل له لم يتأكد وقوعه في القلب كما يتأكد وقوعه إذا مُثّل بالنور ،وإذا قُبّح في الكفر بمجرد الذكر لم يتأكد قبحه في العقل كما يتأكد إذا مُثل بالظلمة ، وإذا أخبر بضعف أمر من الأمور وضرب مثله بنسج العنكبوت كان ذلك أبلغ في تقرير صورته من الإخبار بضعفه مجرداً ، ولذلك أكثر الله تعالى في كتابه العزيز من ذكر الأمثال ،

وصدق الله تعالى إذ يقول (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43 ) ) (43 –من العنكبوت) .

المثل الأول :

أنهم كرجل في ظلمة حالكة أشعل ناراً تضيء له هذه الظلمة حتى إذا مااشتعلت هذه النار وأضاءت بنورها وانتفع بها وأبصر ما عن يمينه وشماله واستأنس بها أخذ الله هذا النور وأبقى له الإحراق والدخان وتركه في ظلمة شديدة لايبصر ولا يهتدي وهو فوق ذلك أصم لايسمع أبكم لايتكلم أعمى لايبصر ، ولذلك لايرجع إلى ماكان عليه من الهدى بعد أن استحب الكفر على الإيمان والضلالة على الهدى فأصبح في حيرة عظيمة ، فإنه لاحيرة أعظم من حيرة الدين ؟.

المثل الثاني :

لفريق آخر من المنافقين ، يظهر لهم الحق تارة ويشُكون تارة أخرى ، فقلوبهم في حال شكهم وترددهم بين الإيمان والكفر كمطر نزل من السماء في وقت مظلم حالك ،ورعد يزعج القلوب ،من الخوف ،وبرق يلمع في قلوبهم من نور الإيمان في بعض الأحيان ،ولذلك يضعون أصابعهم في أذانهم من الصواعق الشديدة خوفاً من الموت ( أي خوفاً من الإيمان أن يتأثروا به )ولا يجدي حذرهم شيئاً ، لأن الله محيط بهم من كل ناحية،وكان هذا حالهم عندما يسمعون القرآن كانوا يضعون أصابعهم في أذانهم حتى لايؤثر القرآن فيهم.

يقول ربنا سبحانه

(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (17)صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ(18)أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19)يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(20) (الآيات من 17 :20 من سورة البقرة)

الصور البلاغية والنكات اللغوية التي وردت في هذه الآية الكريمة :

في هذه الآية وما قبلها من آيات تُتمم ماضُرب لهم من أمثال وبالتحديد من الآية ( 17) إلى الآية ( 20) من الصور .

البلاغية والنكات اللغوية مايدل على براعة المنُزّل سبحانه وإحكام الكتاب العزيز وبيانه نجمل بعضها في الآتي :

1- التشبيه التمثيلي والتشبيه التمثيلي المتكرر:

وحقيقة التشبيه التمثيلي أن يكون وجه الشبه فيه صورة منتزعة من متعدد أي أن حال المنافقين في نفاقهم وإظهارهم خلاف ما يسترون من كفر ، كحال الذي استوقد ناراً ليستضئ بها ثم انطفأت فلم يعد يبصر شيئاً .
-أما التشبيه التمثيلي المتكرر : فقد شبه الله تعالى المنافقين بإظهارهم الإيمان وإبطانهم الكفر ، بمن استوقد ناراً

ثم انقطعت ، وذلك من ثلاثة أوجه : -

ا- أن مستوقد النار يستضيء بنورها ، وتذهب عنه وحشة الظلمة ، فإذا انطفأت ذهبت الاستضاءة ، وانتفى الانتفاع والاهتداء .

ب- أن مستوقد النار إذا لم يمدها بالوقود ذهب ضوءها ، كذلك المنافق إذا لم يستدم الإيمان ، ذهب إيمانه .

ج- أن مستوقد النار المستضيء بها هو في ظلمة ربداء، من نفسه فإذا ذهبت النار بقى في ظلمتين : ظلمة الليل ، وظلمة نفسه .

2-المخالفة بين الضميرين :

ففي الالتفات من الواحد إلى الجماعة زيادة في الفصاحة، وأبلغ في الظلمة ،فقد وحد الضمير في ( استوقد )و ( حوله )وذلك لمراعاة جانب اللفظ ، لأن المنافقين كلهم على قول واحد وفعل واحد ،وأما رعاية جانب المعنى في ( بنورهم وتركهم ) فذلك لأن المقام تقبيح أحوالهم ، وبيان ذاتهم وضلالتهم ، فإثبات الحكم لكل واحد منهم واقع .

3-مراعاة النظير :

وهو فن يُعرف عند علماء البلاغة بالتناسب والائتلاف ، وهو أن يجمع المتكلم بين أمر وما يناسبه مع إلغاء ذكر التضاد لتخرج المطابقة ، وهى هنا في ذكر( الضوء والنور) ،والسر في ذكر النور مع أن السياق يقتضي أن يقول ( بضوئهم ) مقابل أضاءت هو أن الضوء فيه دلالة على الزيادة ، فلو قال بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء مايسمى نوراً،ولكن الغرض هنا هو إزالة النور عنهم رأساً وطمسه أصلاً ،والذي يُؤكد هذا المعنى قوله تعالى ( ذهب الله بنورهم ) ولم يقل –أذهب نورهم - ، والفرق بينهما أن معنى أذهبه أزاله وجعله ذاهباً ، ومعنى ذهب به أي اصطحبه ومضى به معه ، فيكون الغرض إفادة أنّه لم يبق لهم مطمع في عودة ذلك النور لهم بالكلية ، وكذلك لو قيل أذهب الله نورهم ، ربما يتوهمون أن الله أذهب عنهم النور وبقى هو معهم فيكون عوضاً لهم عما فاتهم ، فلما قال ) ذهب الله بنورهم) كان ذلك حسماً وقطعاً لمادة الأطماع من حصولهم على أي خير لهم أومنهم ، وهذا أسمى مايصل إليه البيان .

4- التشبيه البديع في تشبيهه الدين بالصيب

وهو المطر ، لأن القلوب تحيا بالدين كحياة الأرض بالمطر ، وما يتعلق به من تشبيه الكفر بالظلمات ، وما في ذلك من الوعد والوعيد بالبرق والرعد ، وما يصيب الكفار من الفتن والبلايا بالصواعق ،

ولكن ماسر ذكر السماء مع أن المطر لا ينزل إلا من السماء؟

والجواب هو:

أنه لو قال –أو كصيب فيه ظلمات-لاحتمل أن يكون هذا المطر نازلاً من بعض جوانب السماء دون البعض، أما لما قال –من السماء – دل على أنه نزول عام مُطبق آخذ بأفاق السماء ، فكما حصلت المبالغة في لفظ –الصيب- من جهة التنكير والتركيب ، أيّد ذلك بأن جعله مُطبقاً، ثم إنّ الحالة التي هم عليها من الخوف والهلع لذهاب النور وبقاء الظلمات ،تستدعي أن يكون المطر مُطبقاً، ليزدادوا خوفاً إلي خوفهم ووحشة إلى وحشتهم ،وكل ذلك بسبب خُلوّ قلوبهم من نور الإيمان ،وامتلائها بظلمة النفاق والكفر..

5- المجاز المرسل :

ثم انظر إلى هذه الصورة البلاغية ، التي تصور لنا مدى هلعهم وخوفهم وحيرتهم وترددهم في قوله تعالى( يجعلون أصابعهم في ءاذانهم )فالإصبع ليست هى التي تُجعل في الأذن، فذكر الأصابع وأراد الأنامل ،وعلاقته الكلية ، ولكن المجاز هنا أبلغ من الحقيقة ، ولذلك عدل عن الحقيقة إلى المجاز ، ثم إنّه جمع الأصابع لأنه لم يرد أصبعاً معيناً، لأن الحالة حالة دهشة وحيرة ، فأيّة أصبع اتفق لهم أن يسدوا بها آذانهم فعلوا غير مدققين في ترتيب معتاد ،أو تعيين مفترض ..


وشاهدنا قوله تعالى (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) آية -20- البقرة . وهنا نتحدث عن الشاهد في الآية موضوع الحديث – ثم نورد بعضاً من أفعال المنافقين كما شهد بذلك القرآن الكريم.

يقول جماعة من المفسرين عن - ابن عباس رضي الله عنه – وهو الأصح والأظهر كما حكاه ابن كثير

( كلما أضاء لهم مشوا فيه ) أي كلما أصاب المنافقون من عز الإسلام اطمأنوا وتكلموا بالحق فهم في قومهم على استقامة وهدى وإن أصاب الإسلامَ نكبة أوضيق قاموا ليرجعوا إلى الكفر متحيّرين ) مثبطين من همم المسلمين مشككين في الإسلام وفي نبوة محمد صلى الله عليه وسلم, مذبذبين بين الكفر والإيمان ،لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء .... فصح فيهم قول الله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) )الحج(11)

صور من أفعالهم مع النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا:

من هذه الصور:

التي فضحهم الله تعالى بها ما حدث في غزوة الأحزاب عندما اشتد الأمر على المسلمين كما روى ابن هشام أنه أبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم في الخندق رجال من المنافقين فجعلوا يوارون للضعيف من العمل ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الرجل من المسلمين إذا نابتة النّائبة من الحاجة التي لابدّ له منها ( يريد أن يقضي حاجته من الغائط ) يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اللحوق بحاجته فيأذن له فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من العمل في الخندق فلمّا نقض بنو قريظة العهد سنحت للمنافقين الفرصة وأخذوا ينفخون في نار الفتنة وأخذوا يرجفون في المدينة حتى إنّ أحدهم ليقول – كان محمّد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لايأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط – وكان لذلك بالطبع أثر سيء في نفوس المسلمين ولكن الله سلم ، فوصف الله الحالة التي كان عليها الجميع بعد مجيء الأحزاب وتجمعهم على المسلمين من كل ناحية

فقال سبحانه

(هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11)وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12)وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13)وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14)وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا (15)قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16)قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (17)قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18)أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19) ) الآيات من 11 -19 من سورة الأحزاب .

وقد سبق ذلك تخاذل رأس المنافقين عبد الله بن أبى بن سلول يوم أحد عندما انخذل بثلث الجيش وذلك في وقت كان المسلمون فيه أحوج ما يكون إلى مقاتل واحد،حتى أن بعض الصحابة رأوا أن يستعينوا باليهود بناء على مابينهم من ميثاق التناصر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخرج البخاري ( لانستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك ) ، وقد بلغ الحقد وغريزة الانتقام من كفار قريش كل مبلغ ، وذلك على ماحدث لهم في بدر على يد المسلمين ، فإذ بابن سلول يرجع بثلث الجيش وهو يقول –عصاني واتبع الولدان ومن لارأي له ولا ندري علام نقتل أنفسنا –ولما تبعهم عبد الله بن حرام راجياً لهم ألا يخذلوا رسول الله فلم يستجيبوا له وقال ابن سلول – لو نعلم قتالاً لاتبعناكم- وإذا كان ابن أبي قد تعلل بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأخذ برأيه ، فهذه ليست الحقيقة ، بل إن عين الحقيقة هي أنه لايريد قتالاً ، لأنه لايريد أن يعرض نفسه لمخاوفه ومغباته ، وخاصة إذا مادارت الدائرة على المسلمين ،وهذه هي أهم صفات المنافقين ، يريدون أن يأخذوا ما في الإسلام من مغانم ،ويبتعدوا عما فيه من مغامر وأتعاب ، فتمسكهم بالإسلام لأمرين : مغانم يغنمونها أو مغارم يتوقونها .

وآه لو رأيتهم والفرحة تملئ نفوسهم والشماتة تطل من أعينهم ،وتترجمها ألسنتهم للوفود العائدة وقد أنهكتهم المعركة ،وأثخنتهم الجراح ، مع ما خلفوهم ورائهم في أرض المعركة من أكثر من سبعين شهيداً من خيرة الصحب الكرام قائلين لهم–لو أطعتمونا ماقتل منكم أحد ، أين النصر الذي وعدكم به محمد وتوهمتموه معه – فكان هذا الصنيع أول كشف للمنافقين في المدينة ،فأنزل الله فيهم قرآناً يتلى إلى يوم القيامة

يقول ربنا سبحانه

(وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166)وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167)الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (168)) الآيات -166-167-168 من سورة آل عمران

أما المنافقون في غزوة بني المصطلق أو( المُريسيع نسبة إلى الماء الذي عسكروا عنده) ، فحدّث ولا حرج ،فقد خرج مع المسلمين في هذه الغزوة عدد كبير منهم ، كان يغلب عليهم التخلف في الغزوات السابقة ، وذلك لأنّهم كانوا متيقنين من نصر المسلمين ، وبالتالي سيفوزون بالغنيمة ، وهذا كل ما يريدون .

فقد روى ابن سعد في طبقاته وابن هشام في سيرته أن غلاماً لعمر بن الخطاب اسمه جهجاه بن سعيد الغفاري ، تنازع مع سنان بن وبر الجهني ،وهما مع جماعة عند ماء المريسيع ، وكادا أن يقتتلا ، فصرخ الجهني يامعشر الأنصار ، وصرخ جهجاه يامعشر المهاجرين ،فسمع بالأمر عبد الله بن سلول فغضب وقال لمن معه – أَوَفَعَلوها ؟ .... ،قد نافرونا وكاثروا علينا والله ماأرانا وجلابيب قريش ( يقصد المسلمين من قريش ) إلا كما قالوا - سمّن كلبك يأكلك -، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنّ الأعزّ منها الأذل .

وكان ممن سمع كلامه زيد بن أرقم فأخبر رسول الله صلي الله عليه وسلم وكان عنده عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال عمر -

يا رسول الله مر عبّاد بن بشر فليقتله –فقال له عليه الصلاة وأزكى السلام ( فكيف ياعمر إذا تحدث الناس أنّ محمداً يقتل أصحابه ؟ )وأَذِنَ الرسول صلى الله عليه بالرحيل في ساعة لم يكن يرتحل فيها حتى يقطع على القوم حديثهم ، ويشغلهم عما حدث ، ولكن الله فاضحهم لامحالة رغم أيمانهم الكاذبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يشهدون برسالته ، وهم المحرّضون عليه أعداءه بأن يُضيّقوا عليه بأموالهم حتى يَنفَضّ عنه من معه من المسلمين البررة ، وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لوّوا رؤوسهم رافضين ذلك، حتى قطع الله الشك باليقين بأنه سبحانه لن يغفر لهم ، وينزل سبحانه بيان ذلك في سورة سماها باسمهم فهي شاهدة عليهم أناء الليل وأطراف النهار إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ،

فقال تبارك وتعالى

(إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2)ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ(3)وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4)وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ (5)سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6)هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7)يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ(8) ) سورة المنافقون من 1 : 8 ).

ولكن هل وقف كيدهم عند هذا الحد في هذه الغزوة؟

لا وربنا، فقد تجاوزوا هذه المرة كل حد، وفجروا أيما فجور،-خابوا وخسروا- فقد طالوا بفسقهم وافترائهم بيت- رسول الله صلى الله عليه وسلم-وذلك أنهم رموا أم المؤمنين عائشة بالسوء مع صفوان بن معطل السلمي ،(وكانت قد خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة ) وذلك لما تأخرت عن الركب عندما استراحوا ثم ارتحلوا، وقد ذهبت لقضاء حاجتها , ففقدت عقدها فأخذت تبحث عنه حتى وجدته فرجعت فإذا بالقوم قد رحلوا فجلست مكانها ظناً منها أنهم سيفتقدونها فيرجعون إليها ،تقول أم المؤمنين ( فغلبتني عيناي على النوم فنمت،وكان صفوان من وراء الجيش فرأى سواد إنسان ، فعرفني حين رأني وكان رأني قبل نزول الحجاب ، فاسترجع - قال إنا لله وإنا إليه راجعون -فاستيقظت على استرجاعه ،فخمرت وجهي بجلبابي ووالله ماتكلمنا بكلمة ولا سمعت منه غير استرجاعه ،فهوى حتى أناخ راحلته فقمت إليها فركبتها ، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة ،والقوم نزول ) فلما رآهما رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول قال... والله مانجت منه وما نجا منها...وكان عنده بعض ممن هم على شاكلته،فهلك معه في الحديث من هلك ، ومنهم الذين جاهروا وروّجوا لهذا

الإفك وهم :
مسطح بن أثاثه وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش،ومن مسطح ؟ إنه تربى من مال أبي بكر فهو فقير ينفق عليه أبو بكر ثم هو قريب لعائشة ، فقيل أنه ابن خالتها ، وأمه من رعايا أبي بكر- أرأيتم ؟ من ياترى الذي سمن كلبه فأكله ؟ ؟ ؟
أما رأس المنافقين فيكفيه عاراً ومذلة أن الله قد وصفه بأنه هو(الذي تولّى كبره منهم).

ولكم أن تتصوروا كيف فعل هذا الجرم ببيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ولكم أن تتخيلوا الحبيب وهو يستشير الصحابة في زوجه أم المؤمنين حتى أن أحدهم ليشير عليه بأن يسأل الجارية ....؟

عن أهل بيته ... والأخر يقول وعلام تبقي عليها والنساء كثير...آه ثم ألف آه ..على جرأتهم على الله ورسوله وحلم الله عليهم .ولكم أن تبكوا الدموع دماً على ماأصاب الحبيب و حبيبته في حبهما شهراً كاملاً هذا الحب الذي كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يعتذر لربه قائلاً عنه ( اللهم هذا قسمي فيما أملك –يعني القسمة بالعدل بين أزواجه فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك –يعني حبه لعائشة الذي فاق كل حب -) لكم أن تتخيلوا الحبيب المكلوم وهو يدخل على زوجه التي فلق كبدها الظلم المأفوك، بعد شهر منذ قيل ماقيل،ونترك المقام لأمنا عائشة رضي الله عنها تحدثنا عما دار بينها وبين حبيبها رسول الله صلى الله عليه وسلم( ثم دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبواي عندي ، وهما يظنان أن البكاء فالق كبدي ، ولم يجلس عندي منذ قيل ماقيل ، وقد مكث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء،قالت فتشهد حين جلس،ثم قال ( أما بعد ياعائشة إنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت قد ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه

قالت فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة ، فقلت لأبي :

أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال والله لا أدري ما أقول ، فقلت لأمي أجيبي عني فقالت والله لا أدري ما أقول ، فقلت والله لقد علمت أنكم سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به ، فإن قلت لكم إني بريئة- والله يعلم أني بريئة -لا تصدقوني في ذلك ،ولئن اعترفت لكم بأمر –والله يعلم أني بريئة –لتصدقنني ، إني والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف ( فصبر جميل والله المستعان على ماتصفون)

قالت : ثم تحولت فاضطجعت على فراشي ..........) أرأيتم كيف فعل حقد النفاق في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

أرأيتم كيف كادت رياح الفتنة الحاقدة من المنافقين أن تعصف ببيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أنها هزت بالفعل أركانه فجعلت الحبيبين على شقاق وفراق، بعد أن كانا مثلاً يحتذي به في الحب والمودة، والشفقة والرحمة ،ولكن لله أشد غيرة من العبد ، حتى لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ولكن الله من ورائهم محيط ،ويا لحفظ الله لبيت رسوله وبراءته لأم المؤمنين ، الصديقة بنت الصديق المبرأة من فوق سبع سماوات ، وفاضح النفاق وأهله إلى يوم تشخص فيه الأبصار ، تقول عائشة أم المؤمنين –رضي الله عنها

(فوالله مارام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد ، حتى أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم :

فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي ، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه ، قالت : فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك ، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال ( أبشري ياعائشة أما الله فقد برأك) فقالت أمي قومي إليه –أي اشكريه – فقلت لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل برأتي ،

قالت فأنزل الله عز وجل

(إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ (12) لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14)إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (17)وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(18)إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَءوفٌ رَحِيمٌ (20)) الآيات من -11 /20 –سورة النور

فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين جاهروا بالإفك ، فأقام عليهم حد القذف فحدوا وتابوا وحسنت توبتهم وهم – مسطح وحمنة بنت جحش ( وهى أخت زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم ) وحسان بن ثابت،وهذا شبه إجماع على أن هؤلاء الثلاثة تم جلدهم ، أما رأس الفتنة أبن سلول ، فكالعادة ثعبان أرقط يلدغ ويختبئ، فلم يقم عليه الحد ولم يتب .
ولسائل أن يسأل .. لماذا لم يُقم حد القذف علي عبد الله بن أُبيّ بن سلول ؟مع أن القرآن فضحه أمام العامة والخاصة...

والجواب من أوجه:

1- أن حد القذف حق خاص للنبي صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنهما ولم يطالبا به من عبد الله بن سلول

2-أنه لم يشهد عليه أحد ، لأنه لم يسمعه إلا أعوانه ومن هم على شاكلته ،ولم يكن بينهم من يشهد عليه من المسلمين أومن يستطيع أن يخرسه ،وهذا من الأسباب التي أعاقة إقامة حد الردة عليه في غزوة بني المصطلق أو المريسيع عندما قال –ما أرانا وجلابيب قريش إلا كما قالوا ثمن كلبك يأكلك - لأنه لم يسمعه إلا زيد بن أرقم ، حتى –حسان ومسطح وحمنة –لوشهدوا عليه ماكان لتقبل شهادتهم لأنهم لم يكتملوا نصاب الشهادة التي بمقتضاها يقام حد القذف أربعة شهداء ، فهم ثلاثة فقط.